انتقل إلى المحتوى

الفتنة (كتاب)

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
الفتنة: جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر
La Grande Discorde : Religion et politique dans l’Islam des origines
معلومات الكتاب
المؤلف هشام جعيط
البلد فرنسا
اللغة الفرنسية
الناشر دار غاليمار
تاريخ النشر 1989[1]
مكان النشر باريس
السلسلة Bibliothèque des histoires
النوع الأدبي دراسة تاريخية
الموضوع الفتنة الأولى، والدين والسياسة في صدر الإسلام
التقديم
عدد الصفحات 421[1]
ترجمة
المترجم خليل أحمد خليل[2]
تاريخ النشر 1991–1992
ردمك 978-9953-40-946-7 (طبعة 2008)
الناشر دار الطليعة
المواقع
ردمك [[خاص:مصادر كتاب/978-2-07-071732-3[3]|978-2-07-071732-3[3]]]

الفتنة: جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر (بالفرنسية: La Grande Discorde : Religion et politique dans l’Islam des origines) كتاب تاريخي للمؤرخ والمفكر التونسي هشام جعيط، صدر أول مرة باللغة الفرنسية عن دار غاليمار في باريس سنة 1989، ضمن سلسلة «مكتبة التواريخ» (Bibliothèque des histoires).[1][3] ترجمه إلى العربية خليل أحمد خليل ونشرته دار الطليعة في بيروت؛ وتؤرخ بعض المصادر العربية صدور الترجمة بسنة 1991،[4] بينما تسجل بعض الفهارس المكتبية الطبعة العربية الأولى بسنة 1992، ثم توثق طبعة ثانية صدرت سنة 1993.[2]

يتناول الكتاب الفتنة الأولى بوصفها أزمة سياسية ودينية امتدت من أواخر خلافة عثمان بن عفان، مرورًا بمقتله وخلافة علي بن أبي طالب ووقعتي الجمل وصفين، وصولًا إلى اغتيال علي وتنازل الحسن بن علي عن الخلافة لمصلحة معاوية بن أبي سفيان. ويربط جعيط هذه الأحداث بمسألة شرعية السلطة وانتقال الجماعة الإسلامية من الدولة النبوية إلى الدولة السياسية، وبدايات تشكل الاتجاهات التي عُرفت لاحقًا باسم السنة والشيعة والخوارج.[5]

خلفية التأليف

[عدل | عدل المصدر]
هشام جعيط، مؤلف الكتاب، سنة 2013.

جاء الكتاب ضمن اهتمام جعيط بتاريخ الإسلام المبكر؛ فقد سبقه كتابه عن نشأة الكوفة، الذي صدر بالفرنسية سنة 1986، وتواصل هذا الاهتمام لاحقًا في دراساته عن السيرة النبوية وتكوين الدولة الإسلامية الأولى.[4] ويصف جعيط مرحلة الفتنة بأنها مرحلة «مؤسسة» أو «مولّدة» للعالم العربي الإسلامي، لأن الصراعات التي شهدتها لم تقتصر على التنافس على الحكم، بل أثّرت في تصورات الشرعية والجماعة والخلافة وفي الانقسامات السياسية والمذهبية اللاحقة.[6]

لا يقتصر الكتاب على سرد وقائع الحرب الأهلية، بل يحاول تفسير السياق الاجتماعي والسياسي الذي سبقها؛ بما في ذلك اتساع الدولة عقب الفتوحات الإسلامية، وتراكم الثروة، وتزايد دور الأمصار والجيوش، والتوتر بين المكانة القبلية والسابقة في الإسلام. وترى الباحثة جويل أدا أن القضية المركزية في الكتاب هي شرعية السلطة السياسية وصعوبة إدماج الأراضي المفتوحة وسكانها ضمن بنية دولة ذات طابع إمبراطوري.[7]

أطروحة الكتاب

[عدل | عدل المصدر]

تقوم أطروحة الكتاب على أن السياسي والديني كانا متداخلين في أحداث الفتنة، وأن الأطراف المتنازعة لم تشترك في تفسير واحد للدين أو لحدود السلطة. فكل طرف، بحسب قراءة جعيط، أعاد تأويل المبادئ الدينية على نحو يلائم تصوره للشرعية ولطريقة إدارة الجماعة الإسلامية.[6]

ويرى جعيط أن الفتنة مثّلت نهاية العصر التأسيسي الذي بدأ بظهور الإسلام واستمر في عهد النبي محمد والخليفتين أبي بكر وعمر. وبعد مرحلة التوسع الأولى أصبح على الدولة أن تواجه قضايا الحكم والإدارة وتوزيع الثروة وخلافة رأس السلطة، وهي قضايا لم تكن الإجابات عنها محسومة في البنية السياسية الناشئة.[5]

وبحسب عرض جاكي أرغو للكتاب، يميز جعيط بين ثلاث قوى سياسية وفكرية ظهرت أثناء الأزمة: اتجاه ديني متشدد ارتبط ببعض جماعات القراء ثم بالخوارج، واتجاه شرعوي تمحور حول علي وأنصاره، واتجاه أرستقراطي مثّله أنصار النخبة القرشية والسلطة الأموية الصاعدة.[5] ولا يقدم المؤلف هذه الاتجاهات بوصفها مذاهب مكتملة منذ البداية، بل بوصفها جماعات ومواقف سياسية ودينية أخذت تتبلور خلال النزاع.[6]

المنهج والمصادر

[عدل | عدل المصدر]

يتبع الكتاب تسلسلًا زمنيًا يرتبط بتعاقب الخلفاء، لكنه يجمع السرد السياسي بتحليل البنى الاجتماعية والقبلية والثقافية المحيطة بالأحداث. كما يستخدم جعيط منهجًا تفهميًا يسعى إلى استعادة المناخ الذهني للأطراف التاريخية وفهم دوافعها وفق مفاهيم عصرها، بدل تفسير تصرفاتها انطلاقًا من تصنيفات سياسية حديثة وحدها.[6]

يقارن المؤلف بين الروايات التاريخية المتعارضة، ويناقش أسانيدها ومتونها ومدى ملاءمتها للظروف الاجتماعية والعسكرية التي تصفها. ومن أمثلة ذلك مناقشته رواية أبي مخنف عن دور القراء في إيقاف القتال في صفين؛ إذ يختبر الرواية بالرجوع إلى حجم هذه الجماعة وموقعها داخل جيش علي قبل قبولها أو رفضها.[6]

ورأت دراسة للباحث محمد الغريسي أن جعيط استفاد في إعادة قراءة أحداث الفتنة من مناهج التاريخ وعلم السياسة وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا، واعتمد الشك والنقد والاستقراء في التعامل مع الروايات المتوارثة.[8] ويصرح جعيط بأنه يحاول تجاوز كل من القراءة التقليدية التي تضفي طابعًا مثاليًا على العصر، والقراءات التحديثية التي تُسقط مفاهيم معاصرة بصورة مباشرة على أحداث القرن السابع الميلادي.[7]

محتوى الكتاب

[عدل | عدل المصدر]

يقسم الكتاب موضوعه إلى مراحل كبرى تبدأ بخلفية نشوء الدولة الإسلامية، ثم أزمة خلافة عثمان، فالحرب في عهد علي، ثم التحكيم وظهور الخوارج، وتنتهي بتغلب معاوية ووحدة الجماعة تحت سلطته.[6]

العصر التأسيسي

[عدل | عدل المصدر]

يستهل جعيط الكتاب بعرض البيئة الاجتماعية والدينية لشبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، ولا سيما دور القبيلة والعشيرة وغياب الدولة المركزية. ثم يميز بين المرحلة المكية، التي غلب عليها التبشير الديني، والمرحلة المدنية التي شهدت قيام جماعة سياسية وظهور الدولة والحرب والتحالفات. ويتناول بعد ذلك انتقال السلطة إلى أبي بكر ثم عمر، وظهور مشكلة الخلافة بوصفها مسألة سياسية لم يرد بشأن آلياتها نظام تفصيلي ثابت.[6]

أزمة خلافة عثمان ومقتله

[عدل | عدل المصدر]

يناقش الكتاب نظام الشورى الذي أدى إلى اختيار عثمان، ثم يتناول التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي صاحبت اتساع الدولة وتراكم الثروات في الأمصار. ويعرض جعيط تصاعد الاعتراضات على سياسة عثمان وولاته، ودور جماعات القراء وسكان الكوفة والبصرة ومصر في المعارضة، وصولًا إلى حصار منزل الخليفة ومقتله وانتخاب علي بن أبي طالب.[6]

ولا يعامل جعيط مقتل عثمان حادثة منفصلة، بل يراه قطيعة أحدثت أزمة في الضمير السياسي والديني للجماعة؛ إذ أثارت مسألة جواز الخروج على الخليفة وحدود طاعته، وأصبحت المطالبة بدم عثمان محورًا للصراعات اللاحقة.[6]

من موقعة الجمل إلى صفين

[عدل | عدل المصدر]

يعرض الكتاب موقف عائشة بنت أبي بكر وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام من خلافة علي، وانتقالهم إلى البصرة، ثم وقوع موقعة الجمل ومقتل طلحة والزبير. ويركز جعيط على الرموز الدينية والعائلية في المعركة، وعلى أثر مواجهة شخصيات ذات مكانة مبكرة في الإسلام بعضها لبعض.[6]

ثم ينتقل إلى صراع علي مع معاوية، والي الشام وقريب عثمان، وتكوين الجيشين العراقي والشامي ووقوع معركة صفين. ويحلل رفع المصاحف والدعوة إلى الاحتكام إلى القرآن باعتبارهما لحظة ظهر فيها تداخل الرمز الديني بالحساب السياسي، وانتهى القتال بعدها بالقبول بمبدأ التحكيم.[6]

التحكيم وظهور الخوارج

[عدل | عدل المصدر]

يخصص الكتاب قسمًا للخلاف الذي نشأ داخل جيش علي عقب قبول التحكيم. فقد رفضت جماعة من أنصاره القرار بعد أن وافقت عليه، ورفعت شعار «لا حكم إلا لله»، ثم تبلورت في جماعة عُرفت أولًا بالمحكّمة ولاحقًا باسم الخوارج. وفي المقابل أخذ مصطلح «شيعة علي» يدل بصورة أوضح على الجماعة الملتفة حوله.[6]

يتناول جعيط اجتماع الحكمين أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص، ويرى أن التحكيم لم يقدم حلًا نهائيًا لأزمة الخلافة، لكنه أوقف الحرب وكشف الانقسامات داخل معسكر علي ومنح معاوية قدرًا أكبر من الشرعية السياسية. ثم يعرض المواجهة مع الخوارج في معركة النهروان وما خلّفته من إضعاف لسلطة علي في العراق.[6]

نهاية الفتنة

[عدل | عدل المصدر]

يتابع القسم الأخير اتساع نفوذ معاوية، وسيطرته على مصر، وتراجع قدرة علي على حشد أنصاره. وينتهي السرد باغتيال علي على يد أحد الخوارج، ثم مبايعة الحسن بن علي وتنازله لاحقًا لمعاوية؛ وهي التسوية التي أنهت المرحلة العسكرية من الفتنة وأفضت إلى اجتماع معظم الأقاليم تحت سلطة معاوية وبداية الحكم الأموي.[6]

ويخلص الكتاب إلى أن انتهاء الحرب لم ينه آثار الأزمة؛ إذ استمرت أسئلة الشرعية والخلافة ومقتل عثمان وموقف علي في الذاكرة السياسية والمذهبية الإسلامية، وأسهمت في تشكل انقسامات استمرت بعد انقضاء أحداث الفتنة نفسها.[8][9]

الطبعات والترجمة

[عدل | عدل المصدر]

صدرت الطبعة الفرنسية الأصلية عن غاليمار سنة 1989، وحملت الرقم الدولي المعياري 2-07-071732-1، ثم أعادت الدار نشر الكتاب ضمن سلسلة «فوليو» سنة 2008.[1][6]

أما الترجمة العربية فأنجزها خليل أحمد خليل ونشرتها دار الطليعة في بيروت. وتختلف المصادر في تأريخ الطبعة العربية الأولى؛ فبعض الكتابات تؤرخها بسنة 1991،[4] في حين تسجل بيانات فهرسية أخرى سنة 1992، ويوثق فهرس وورلد كات طبعة ثانية سنة 1993.[2] وصدرت طبعات عربية لاحقة، منها طبعة سنة 2008 في 380 صفحة وتحمل الرقم الدولي 978-9953-40-946-7،[10] كما تفهرس مكتبة المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون «بيت الحكمة» طبعة صادرة عن دار الطليعة سنة 2016.[11]

الاستقبال النقدي

[عدل | عدل المصدر]

رأت جويل أدا في مراجعتها للكتاب أن جعيط جعل شرعية السلطة السياسية محورًا لتفسير الأزمة، وربطها بالصعوبات التي واجهت الدولة عند الانتقال من الجماعة النبوية إلى دولة تدير إمبراطورية واسعة. وأشادت بمحاولته تطبيق أدوات البحث التاريخي العقلاني مع تجنب النظرة التقليدية والقراءة التحديثية المبسطة.[7]

ووصف جاكي أرغو الكتاب بأنه عمل كثيف وموثق يتجنب التبسيط والدفاع العقائدي، ورأى أن الفتنة تظهر فيه منعطفًا يتجاوز الأحداث العسكرية إلى نهاية العصر التأسيسي ونشوء خيارات سياسية متنافسة. لكنه انتقد خلو الطبعة الفرنسية التي راجعها من فهرس للأعلام والموضوعات، معتبرًا أن غيابه يصعّب استخدام الكتاب.[5]

ونُشرت مراجعة أكاديمية للكتاب بقلم المؤرخ كارل بيتري في المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط سنة 1992، ما يعكس دخوله المبكر في النقاش الأكاديمي المتخصص بتاريخ الإسلام.[12]

وفي سنة 2018 وصفت الباحثة سابرينا ميرفان الفتنة بأنه عمل مرجعي وتأسيسي تتبع بالتفصيل صراعات السلطة والحروب التي أعقبت وفاة النبي وأزمة الخلافة، وحللها من منظور العلاقة بين الديني والسياسي ودورها في انقسام الجماعة الإسلامية.[9]

انظر أيضًا

[عدل | عدل المصدر]

المراجع

[عدل | عدل المصدر]
  1. 1 2 3 4 "La Grande discorde". المكتبة الوطنية التونسية (بالفرنسية). Archived from the original on 2026-08-11. Retrieved 2026-08-10.
  2. 1 2 3 "الفتنة: جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر". WorldCat. OCLC. مؤرشف من الأصل في 2026-08-11. اطلع عليه بتاريخ 2026-08-10.
  3. 1 2 3 "La Grande Discorde" (بالفرنسية). Gallimard. Archived from the original on 2025-07-07. Retrieved 2026-08-10.
  4. 1 2 3 محمد أحمد القابسي (4 يونيو 2021). "في وداع هشام جعيط". العربي الجديد. مؤرشف من الأصل في 2021-07-28. اطلع عليه بتاريخ 2026-08-10.
  5. 1 2 3 4 Argaud, Jacky (1991). "Hichem Djaït, La Grande Discorde. Religion et politique dans l'islam des origines". Études théologiques et religieuses (بالفرنسية). 66 (2): 272. Archived from the original on 2023-11-10. Retrieved 2026-08-10.
  6. 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 Ines Aït Mokhtar (22 Jan 2014). "Hichem Djaït, La Grande Discorde, Religion et politique dans l'Islam des origines". Les clés du Moyen-Orient (بالفرنسية). Archived from the original on 2026-04-14. Retrieved 2026-08-10. {{استشهاد بويب}}: تجاهل المحلل الوسيط |تاريخ التحديث= لأنه غير معروف (help)
  7. 1 2 3 Adda, Joëlle (1990). "Hichem Djaït. La grande discorde. Religion et politique dans l'islam des origines". Politique étrangère (بالفرنسية). 55 (4): 914–915. Archived from the original on 2024-03-11. Retrieved 2026-08-10.
  8. 1 2 محمد الغريسي (30 أكتوبر 2024). "هشام جعيط ومنهجه النقدي في دراسة أحداث الفتنة الكبرى". مجلة جامعة الزيتونة الدولية للنشر العلمي ع. 27. اطلع عليه بتاريخ 2026-08-10.
  9. 1 2 Mervin, Sabrina (2018). "Retours sur la « discorde » entre sunnites et chiites". Archives de sciences sociales des religions (بالفرنسية) (184): 109–117. DOI:10.4000/assr.38955. Archived from the original on 2026-03-05. Retrieved 2026-08-10.
  10. "الفتنة: جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر". كتبون. مؤرشف من الأصل في 2026-08-11. اطلع عليه بتاريخ 2026-08-10.
  11. "الفتنة: جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر". مكتبة بيت الحكمة. اطلع عليه بتاريخ 2026-08-10.
  12. Petry, Carl F. (Aug 1992). "Hichem Djaït, La Grande Discorde: Religion et politique dans l'Islam des origines". International Journal of Middle East Studies (بالإنجليزية). 24 (3): 542–544. DOI:10.1017/S0020743800022248. Archived from the original on 2020-03-26. Retrieved 2026-08-10.

وصلات خارجية

[عدل | عدل المصدر]