انتقل إلى المحتوى

الفرزدق

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
الفرزدق
معلومات شخصية
اسم الولادة همام بن غالب بن صعصعة المجاشعي الدارمي التميمي البصري
الميلاد 20 هـ / 641م
كاظمة،  دولة الخِلافة الرَّاشدة
الوفاة 110 هـ / 728م
البصرة،  الدولة الأموية
الإقامة
الكنية أبو فراس
اللقب الفرزدق، دهقان الحيرة، شاعر عصره
الديانة مسلم سني
الأب غالب بن صعصعة
الحياة العملية
المهنة شاعر
اللغات العربية
بوابة الأدب

أَبُو فِرَاسٍ هَمَّامُ بْنُ غَالِبِ بْنِ صَعْصَعَةَ الْمُجَاشِعِيُّ الدَّارِمِيُّ التَّمِيمِيُّ الْبَصْرِيُّ المعروف بِالْفَرَزْدَقِ (20 هـ / 641م - 110 هـ / 728م) شاعر عربي، من أهل البصرة، ولد ونشأ في دولة الخلافة الراشدة في زمن عمر بن الخطاب عام 20 هـ في السيدان من بادية البصرة بالقرب من كاظمة في ديار قومه بني تميم، وبرز واشتهر في العصر الأموي وساد شعراء زمانه.

كان له الأثر في اللغة، حتى قيل «لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث لغة العرب، ولولا شعره لذهب نصف أخبار الناس»، وهو صاحب الأخبار والنقائض مع جرير والأخطل، واشتهر بشعر المدح والفخر وشعر الهجاء.

وقد وفد على عدد كبير من الخلفاء كعلي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، وابنه يزيد، وعبد الملك بن مروان، وأبناؤه الوليد، وسليمان، ويزيد، وهشام، ووفد أيضاً على الخليفة عمر بن عبد العزيز، وعدد من الأمراء الأمويين، والولاة، وهو حفيد الصحابي صعصعة بن ناجية التميمي، وكان الفرزدق لا ينشد بين يدي الخلفاء إلا قاعداً، وله ديوان كبير مطبوع، وتوفي في البصرة وقد قارب المائة عام.

نسبه ونشأته

[عدل | عدل المصدر]
  • هو همام بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مر المجاشعي الدارمي الحنظلي التميمي البصري[1] من بني مجاشع، إحدى قبائل بني تميم، والتي كانت من قبائل العرب البارزة، ويكنى أبا فراس ولقبه الفرزدق وقد غلب عليه.[2]
  • وكان والده غالب سيداً شريفاً من سادات العرب، وكذلك كان جده صعصعة بن ناجية سيداً مطاعاً ووفد إلى النبي وأسلم، وهو محيي الوئيد قبل الإسلام، وفيه يقول الفرزدق مفتخراً:[3]
وجدي الذي منع الوائدات
وأحيا الوئيد فلم توأدِ

وكان جدّه الأعلى ناجية بن عقال من أهل الرأي والحكمة من رجالات بني تميم،[4] وكذلك جده محمد بن سفيان كان سيداً شريفاً، وهو أول من سُمي محمداً من العرب،[5] أما جده سفيان بن مجاشع فقد كان زعيماً من زعماء بني تميم في يوم الكلاب الأول،[6] فكان الفرزدق من بيت شرف وسيادة، وكان آباؤه وأجداده جميعهم من الأعلام، وليس له جد غير معروف، إنما كانوا جميعهم من السادة والأشراف المعروفين المشهورين.[7]

  • وأمه لينة بنت قرظة الضبية التميمية من بني ضبة من تميم، وأخوه الأخطل بن غالب وهو أسن من الفرزدق، وله أخت واحدة هي جعثن بنت غالب، وجدته لأبيه هي ليلى بنت حابس المجاشعية التميمية وهي أخت الصحابي الجليل الأقرع بن حابس[8] الذي حكم العرب في الجاهلية حتى جاء الإسلام، وقد افتخر الفرزدق بخؤلة الأقرع له فقال:[9]
إن الأقارع والحتات وغالباً
وأبا هنيدة دافعوا لمقامي

وقال يفخر بنسبه وبأخواله:[10]

وأنا ابن حنظلة الأغر وإنني
في آل ضبة للمعمُ المخوِلُ
فرعان قد بلغ السماء ذُرَاهما
وإليهما من كل خوف يعقل

ألقابه

[عدل | عدل المصدر]
  • الفرزدق: قال أبو عبيد البكري: «ولقب الفرزدق لغلظه وقصره، شبّه بالفتيتة التي يشدّ بها النساء، والفرزدق رغيف ضخم يتخذ منه ذلك. وقيل إنما لقب به لأنه كان غليظ الوجه جهمه.»[11]
  • دهقان الحيرة: وقال أبو عبيد البكري: «وقيل إنما سمّي الفرزدق بدهقان الحيرة لأنه كان يشبهه في تيهه وأبّهته، وكان الدهقان يسمى الفرزدق.»[12]

وروى الأصفهاني عن خالد بن كلثوم الكلبيّ، قال: «مررت بالفرزدق، وقد كنت دوّنت شيئا من شعره وشعر جرير، وبلغه ذلك، فاستجلسني، فجلست إليه، وعذت باللّه من شره، وجعلت أحدثه حديث أبيه وأذكر له ما يعجبه، ثم قلت له: إني لأذكر يوم لقّبك بالفرزدق، قال: وأي يوم؟ قلت: مررت به وأنت صبيّ، فقال له بعض من كان يجالسه: كأنّ ابنك هذا الفرزدق دهقان الحيرة في تيهه وأبّهته، فسمّاك بذلك، فأعجبه هذا القول، وجعل يستعيد، ثم قال: أنشدني بعض أشعار ابن المراغة فيّ، فجعلت أنشده، حتى انتهيت، ثم قال: فأنشد نقائضها التي أجبته بها، فقلت: ما أحفظها، فقال: يا خالد، أتحفظ ما قاله فيّ ولا تحفظ نقائضه؟ واللّه لأهجونّ كلبا هجاء يتصل عاره بأعقابها إلى يوم القيامة، إن لم تقم حتى تكتب نقائضها أو تحفظها وتنشدنيها، فقلت: أفعل فلزمته شهرا، حتى حفظت نقائضها، وأنشدته إياها خوفا من شره».[13]

ولد الفرزدق عام 20 هـ[14][1] في خلافة عمر بن الخطاب في كاظمة[15] في بادية قومه بني تميم ونشأ بينهم حياته الأولى في منعة وقوة، في أُسرةٍ شريفة كريمة ذات سيادة ورئاسة، وأخذ منهم صفاته التي منها قوة الشكيمة، والفصاحة، والجفاء، والغلظة.[16] قال محمد عبد المنعم خفاجي في كتابه (الحياة الأدبية عصر بني أمية) «وكان أبوه غالب بن صعصعة ينزل السيدان من بادية البصرة بالقرب من كاظمة على ماء كانت تنزل حوله قبائل شتى من قيس وتميم، وكانت البصرة في أول أمرها تعتبر معسكراً للمقاتلة من العرب لا يخالطهم فيها إلا مواليهم، فكانت بذلك بيئة عربية، فنشأ الفرزدق ما بين السيدان والبصرة فصيح اللهجة ملماً بدقائق اللغة حافظاً غريبها عالما بأخبار العرب»[15] وفد الفرزدق مع أبيه غالب بن صعصعة على علي بن أبي طالب في البصرة، وكان أول خليفة وفد الفرزدق عليه وذلك بعد معركة الجمل عام 37 هـ، فقال غالب: «يا أمير المؤمنين، إن ابني هذا من شعراء مضر فاسمع منه، فقال علي: علمه القرآن، قال الفرزدق فوقع ذلك في قلبي.» وروى أبو عبيدة عن الفرزدق قال: «دخلتُ مع أبي على علي بن أبي طالب، وبين يديه سيوف، فقال لأبي: من أنت؟ فقال غالب بن صعصعة قال: ذو الإبل الكثيرة؟ قال نعم. قال فما فعلت؟ قال: ذعذعتها النوائبُ والحُتُوف فقال: ذاك خير سُبُلها، فمن هذا معك؟ فقال: هذا ابني همام، وهو يقول الشعر، فقال علي: علمهُ القران فهو خير له».[17]

ذكر الأصفهاني عن الفرزدق أنه قال: «كنت أجيد الهجاء في أيام عثمان».[18] قال ابن سعد في طبقاته «أخبرنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا بكار بن الصقر قال: رأيت الحسن جالسا على قبر أبي رجاء العطاردي حيال اللحد وقد مد على القبر ثوب أبيض فلم يغيره ولم ينكره حتى فرغ من القبر والفرزدق قاعد قبالته. فقال الفرزدق: يا أبا سعيد تدري ما يقول هؤلاء؟ قال: لا. وما يقولون يا أبا فراس؟ قال: يقولون: قعد على هذا القبر اليوم خير أهل البصرة وشر أهل البصرة. قال: ومن يعنون بذاك؟ قال: يعنوني وإياك. فقال الحسن: يا أبا فراس لستُ بِخير أهل البصرة ولستَ بِشَرّها ولكن أخبرني ما أعددت لهذا المضجع؟ وأومأ بيده إلى اللحد. قال: الخير الكثير أعددت يا أبا سعيد. قال: وما هو؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ ثمانين سنة. قال الحسن: الخير الكثير أعددت يا أبا فراس.»[19] وقال معمر بن المثنى في كتابه (نقائض جرير والفرزدق) "قال: فكان الفرزدق إذا نزل زياد البصرة نزل الكوفة، وإذا نزل زياد الكوفة نزل الفرزدق البصرة، وكان زياد ينزل البصرة ستة أشهر والكوفة ستة أشهر".[20]

أما عن بدايته الشعرية فقد ذكر البلاذري: «كان سبب قول الفرزدق الشعر أن الأشهب بن رميلة النهشلي كان يهجو غالباً أبا الفرزدق، وكان غالب يطلب مصالحته فيأبى الأشهب، وكان الفرزدق يقول: بكيت من الجزع لأن الأشهب يهجو أبي وقومي فأريد إجابته فلا يأتي الشعر، فقلت أبياتاً فأنشدتها أبي فقال: أئت فلاناً فأنشده، فأنشدته فقال لأبي: يا أبا الأخطل إن عاش ابنك كان أشعر العرب، وجعل الفرزدق يهجو الأشهب، فلما أعيا الأشهب، طلب الأشهب الصلح بعد أن كان يُعرض عليه فيأباه» وهكذا انتصر الفرزدق في أول معركة شعرية له وهو غلام صغير.[21]

قال ابن قتيبة «وأمَّا النَّوار امرأة الفرزدق فهي ابنة أعين بن ضبيعة المجاشعي، وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه وجَّه أباها إلى البصرة أيام الحكمين، فقتله الخوارج غيلة، فخطب النَّوار رجل من قريش (وأهلها بالشام)، فبعثت إلى الفرزدق تسأله أن يكون وليَّها إذ كان ابن عمِّها، (وكان أقرب من هناك إليها)، فقال: إنَّ بالشام من هو أقرب إليك مني، ولا آمن أن يقدم قادم منهم فينكر ذلك عليَّ، فأشهدي أنك قد جعلت أمرك إليَّ، ففعلت، فخرج بالشهود وقال لهم: قد أشهدتكم أنَّها قد جعلت أمرها إليَّ وإني أشهدكم أني قد تزوجتها على مئة ناقة حمراء سوداء الحدق، فذئرت من ذلك، واستعْدَت عليه، وخرجت إلى عبد الله بن الزبير، والحجاز والعراق يومئذ إليه، وخرج الفرزدق، فأما النَّوار فنزلت على خولة ابنة منظور بن زبَّان الفزاري امرأة عبد الله بن الزبير، فرقَّقتها وسألتها الشفاعة لها، وأمَّا الفرزدق فنزل على حمزة بن عبد الله بن الزبير، ومدحه، فوعده الشفاعة له، فتكلَّمت خولة في النَّوار، وتكلَّم حمزة في الفرزدق، فأنجحت خولة (وخاب حمزة)، وأمر عبد الله بن الزبير أن لا يقربها حتَّى يصيرا إلى البصرة، فيحتكما إلى عامله، فخرج الفرزدق فقال:

أمَّا بنوه فلم تنجح شفاعتهم
وشفَّعت بنت منظور بن زبَّانا
ليس الشَّفيع الذى يأتيك مؤتزرا
مثل الشَّفيع الذى يأتيك عريانا

وماتت النَّوار بالبصرة مطلَّقة منه، وصلَّى عليها الحسن البصرىُّ رحمه الله».[22]

مكث الفرزدق زماناً لا يُولَد له فعيّرته امرأتًه النوار بذلك، فقال:

قالت: أراه واحدا لا أخا له
يؤمله في الوارثين الأباعد
لعلّك يوما أن تريني كأنّما
بنىّ حوالىّ الأسود الحوارد
فإنّ تميما قبل أن يلد الحصى
أقام زمانا وهو في الناس واحد

فوُلد له بعد ذلك لبطة وسبطة وخبطة وركضة مِن النوار، وزمعة. وليس لواحد من ولده عقب إلا من النساء.[22]

نماذج من شعره

[عدل | عدل المصدر]
  • برع الفرزدق في جميع أنواع الشعر، في الهجاء والفخر والمديح والغزل والنسيب والرثاء والزهد وغيرها.

شعر الفخر

[عدل | عدل المصدر]

من شعره في الفخر بكثرة قومه بني تميم:[23]

لَنا عَدَدٌ يُربي على عدد الحصى
وَيُضعِفُ أَضعافاً كَثيراً عَذيرُها
وَما حُمِّلَت أَضغانُنا مِن قَبيلَةٍ
فَتَحمِلَ ما يُلقى عَلَيها ظُهورُها
إِذا ما اِلتَقى الأَحياءُ ثُمَّ تَفاخَروا
تَقاصَرَ عِندَ التميمي فُخورُها
وَإِن عُدَّتِ الأَحسابُ يَوماً وَجَدتَها
يَصيرُ إِلى حَيَّي تَميمٍ مَصيرُها
وَإِن نَفَرَ الأَحياءُ يَومَ عَظيمَةٍ
تَحاقَرَ في حَيَّي تَميمٍ نُفورُها
تَميمٌ هُمُ قَومي فَلا تَعدِلَنَّهُم
بِحَيٍّ إِذا اِعتَزَّ الأُمورَ كَبيرُها
هُمُ مَعقِلُ العِزِّ الَّذي يُتَّقى بِهِ
ضِراسُ العِدى وَالحَربُ تَغلي قُدورُها

ومن شعره في الفخر في قومه بني دارم من تميم أيضاً قوله:[24]

إِنَّ الَّذي سَمَكَ السَماءَ بَنى لَنا
بَيتاً دَعائِمُهُ أَعَزُّ وَأَطوَلُ
بَيتاً بَناهُ لَنا المَليكُ وَما بَنى
حَكَمُ السَماءِ فَإِنَّهُ لا يُنقَلُ
بَيتاً زُرارَةُ مُحتَبٍ بِفِنائِهِ
وَمُجاشِعٌ وَأَبو الفَوارِسِ نَهشَلُ
يَلِجونَ بَيتَ مُجاشِعٍ وَإِذا اِحتَبوا
بَرَزوا كَأَنَّهُمُ الجِبالُ المُثَّلُ
لا يَحتَبي بِفِناءِ بَيتِكَ مِثلُهُم
أَبَداً إِذا عُدَّ الفَعالُ الأَفضَلُ
مِن عِزِّهِم جَحَرَت كُلَيبٌ بَيتَها
زَرباً كَأَنَّهُمُ لَدَيهِ القُمَّلُ
ضَرَبَت عَلَيكَ العَنكَبوتَ بِنَسجِها
وَقَضى عَلَيكَ بِهِ الكِتابُ المُنزَلُ
أَينَ الَّذينَ بِهِم تُسامي دارِماً
أَم مَن إِلى سَلَفي طُهَيَّةَ تَجعَلُ
يَمشونَ في حَلَقِ الحَديدِ كَما مَشَت
جُربُ الجِمالِ بِها الكُحَيلُ المُشعَلُ
وَالمانِعونَ إِذا النِساءُ تَرادَفَت
حَذَرَ السِباءِ جِمالُها لا تُرحَلُ
حُلَلُ المُلوكِ لِباسُنا في أَهلِنا
وَالسابِغاتِ إِلى الوَغى نَتَسَربَلُ

وقال يفتخر بقبائل مضر والتي منها قومه بنو تميم ومنها وقريش الذين منهم رسول الله :[25]

أَبَت مُضَرُ الحَمراءُ إِلّا تَكَرُّماً
عَلى الناسِ يَعلو كُلَّ جَدٍّ جُدودُها
إِذا غَضِبَت يَوماً عَرانينُ خِندِفٍ
وَإِخوَتُهُم قَيسٌ عَلَيها حَديدُها
حَسِبتَ بِأَنَّ الأَرضَ يُرعَدُ مَتنُها
وَصُمُّ الجِبالِ الحُمرُ مِنها وَسودُها
إِذا ما قَضَينا في البِلادِ قَضِيَّةً
جَرى بَينَ عَرضِ المَشرِقَينِ بَريدُها
لَنا البَحرُ وَالبَرُّ اللَذانِ تَجاوَرا
وَمَن فيهِما مِن ساكِنٍ لا يَؤودُها
لَقَد عَلِمَ الأحياءُ في كُلّ مَوْطِنٍ
بِأنّ تَميماً لَيْسَ يُغْمَزُ عُودُها
وَيَوْما تَميمٍ: يَوْمُ حَرْبٍ وَنَجدَةٍ
وَيَوْمُ مَقَامَاتٍ تُجَرُّ بُرُودُها
كَأنّكَ لمْ تَعرِفْ غَطارِيفَ خِندِفٍ
إذا خَطَبَتْ فَوْقَ المَنَابِرِ صِيدُها
وَإنّ امرأ يَرْجُو تَميماً وعِزّهَا
كَبَاسِطِ كَفٍّ للنّجومِ يُريدُها
وَمِنّا نَبيُّ الله يتلُو كتابهُ
بِهِ دُوّخَتْ أوثانهَا وَيَهُودُها
وماباتَ مِنْ قَوْمٍ يُصلّونَ قِبلةً
ولا غيرُهمْ إلاّ قُريشٌ تَقُودُها

شعر الهجاء

[عدل | عدل المصدر]

عُرف الفرزدق بقوته وشدة لسانه، لذلك كان الخلفاء والأمراء وعامة الناس يخافون من شر لسانه، ولم ينجُ أحد من لسان الفرزدق، فهجا القبائل والشعراء كجرير وأصم باهلة والطرماح بن حكيم وغيرهم، وهجا الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك، وتناول في هجائه أيضاً الكثير من عمال وولاة بني أمية كالحجاج بن يوسف والمهلب بن أبي صفرة وابنه يزيد بن المهلب وخالد بن عبد الله القسري وغيرهم.[26]

شعر الغزل

[عدل | عدل المصدر]

لم يكن الفرزدق ممن يحسنون الغزل والتشبيب بالنساء، فإذا نسب جاء قوله فجا غليظا جافيا لا ترتاح إليه النفوس. وكان يشعر بتصلب عاطفته فيقول (ما أحوج جريراً مع عفته إلى صلابة شعري، وما أحوجني إلى رقة شعره مع شدة فسقي) وقد يخرج في غزله إلى المعاني الوحشية السمجة التي تنبو عنها الأذواق.[27]

كقوله:

فيا ليتنا كتا بعيرين لا نُرى
على منهلٍ إلا نشل ونقذفُ
كلانا به عرٌ يخاف قِرافه
على الناسِ مطليُ المساعرِ أخسفُ

شعر المدح

[عدل | عدل المصدر]

قال الفرزدق يمدح الخليفة عمر بن عبد العزيز الأموي ثامن خُلفاء الدولة الأموية:[28]

أليس مروان والفاروق قد رفعا
كفَّيه والعودُ ماءَ العرق يعتصر
ما اهتزَّ عود له عرقان مثلهما
إذا تروَّح في جرثومه الشجر
ألفيت قومك لم يُترك لأثلتهم
ظلٌّ وعنها لحاء الساق يُقتشر
فأعقب الله طَلًّا فوقه ورق
منها بكفَّيك فيه الريش والثمر

وقال الفرزدق يمدح القائد هلال بن أحوز المازني التميمي وكان أوقع ببني المهلب في معركة قندابيل في خلافة يزيد بن عبد الملك:[29]

يُقيمُ عصا الإسلام منا ابن أحوز
إذا ما عصا الإسلام لأنت كعوبها
لقد قاد جرد الخيل من جنب واسطٍ
يثورُ أمام السرائحين عكوبها

شعر الرثاء

[عدل | عدل المصدر]

قال الفرزدق يرثي وكيع بن حسان بن أبي سود الغداني التميمي أمير خراسان:[30]

ليَبكِ وكيعًا خيل حرب مُغيرةٌ
تساقي المنايا بالرُّدينية السمر
لقوا مثلهم فاستهزموهم بدعوة
دعوها وكيعًا والجياد بهم تجري
وبين الذي نادى وكيعًا وبينهم
مسيرة شهر للمقصَّصة البتر
وكم هدَّت الأيام من جبل لنا
وسابغة زغف وأبيض ذي أثر
أصيبت به عمرو وسعد ومالك
وضبَّة عمُّوا بالعظيم من الأمر

يمدح علي زين العابدين ويهجو هشام بن عبد الملك

[عدل | عدل المصدر]

حج هشام بن عبد الملك في خلافة أخيه الوليد بن عبد الملك (86 هـ-96 هـ) ومعه الفرزدق ووجوه أهل الشام، وكان البيت الحرام مكتظاً بالحجيج في تلك السنة ولم يُفسح لهشام ليستقبل الحجر الأسود، فنصب له منبر، وجلس عليه ينظر إلى الناس، واقبل علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المعروف بزين العابدين[31] وهو من أحسن الناس وجهاً، وأنظفهم ثوباً، وأطيبهم رائحةً، فطاف في البيت، ولما بلغ الحجر الأسود تنحى الناس كلهم، وأخلوا له الحجر ليستلمه، هيبةً وإحتراماً له، فغاظ ذلك هشام بن عبد الملك وبلغ منه، فقال له رجل من أهل الشام: من هذا أصلح الله الأمير؟ فقال: لا أعرفه، وكان به عارفاً وقد خاف أن يرغب به أهل الشام ويسمعوا منه،[32] فقال الفرزدق وكان لذلك كله حاضراً: أنا أعرفه، فسلني عنه يا شامي، قال الشامي ومن هو يا أبا فراس؟ فقال الفرزدق:[33][34]

هَذا الَّذي تَعرِفُ البَطحاءُ وَطأَتَهُ
وَالبَيتُ يَعرِفُهُ وَالحِلُّ وَالحَرَمُ
هَذا اِبنُ خَيرِ عِبادِ اللَهِ كُلِّهِمُ
هَذا التَقِيُّ النَقِيُّ الطاهِرُ العَلَمُ
هَذا اِبنُ فاطِمَةٍ إِن كُنتَ جاهِلَهُ
بِجَدِّهِ أَنبِياءُ اللَهِ قَد خُتِموا
وَلَيسَ قَولُكَ مَن هَذا بِضائِرِهِ
العُربُ تَعرِفُ مَن أَنكَرتَ وَالعَجَمُ
كِلتا يَدَيهِ غِياثٌ عَمَّ نَفعُهُما
يُستَوكَفانِ وَلا يَعروهُما عَدَمُ
سَهلُ الخَليقَةِ لا تُخشى بَوادِرُهُ
يَزينُهُ اِثنانِ حُسنُ الخَلقِ وَالشِيَمُ
حَمّالُ أَثقالِ أَقوامٍ إِذا اِفتُدِحوا
حُلوُ الشَمائِلِ تَحلو عِندَهُ نَعَمُ
ما قالَ لا قَطُّ إِلّا في تَشَهُّدِهِ
لَولا التَشَهُّدُ كانَت لاءَهُ نَعَمُ
عَمَّ البَرِيَّةَ بِالإِحسانِ فَاِنقَشَعَت
عَنها الغَياهِبُ وَالإِملاقُ وَالعَدَمُ
إِذا رَأَتهُ قُرَيشٌ قالَ قائِلُها
إِلى مَكارِمِ هَذا يَنتَهي الكَرَمُ
يُغضي حَياءً وَيُغضى مِن مَهابَتِهِ
فَما يُكَلَّمُ إِلّا حينَ يَبتَسِمُ
بِكَفِّهِ خَيزُرانٌ ريحُهُ عَبِقٌ
مِن كَفِّ أَروَعَ في عِرنينِهِ شَمَمُ
يَكادُ يُمسِكُهُ عِرفانُ راحَتِهِ
رُكنُ الحَطيمِ إِذا ما جاءَ يَستَلِمُ
اللَهُ شَرَّفَهُ قِدماً وَعَظَّمَهُ
جَرى بِذاكَ لَهُ في لَوحِهِ القَلَمُ

فغضب هشام بن عبد الملك وأمر بحبس الفرزدق في سجن عسفان بين مكة والمدينة، وبلغ ذلك علي بن الحسين، فبعث إلى الفرزدق باثني عشر ألف درهم وقال: أعذرنا أبا فراس فلو كان عندنا في هذا الوقت أكثر منها لوصلناك به، فردها الفرزدق إليه وقال يابن رسول الله ماقلت الذي قلته إلا غضباً لله ورسوله، وماكنت لأرزاً عليه شيئاً، فردها عليه علي مرة أخرى وأقسم عليه أن يقبلها، وقال له: قد رأى الله مكانك، وعلم نيتك، وشكر لك، ونحن أهل بيتٍ إذا أنفذنا شيئاً لم نرجع فيه، فقبلها الفرزدق، وقال يهجو هشام بن عبد الملك وهو في سجن عسفان:[35]

أتحبسني بين المدينة والتي
إليها قلوب الناس يهوي منيبها
يقلب رأساً لم يكن رأس سيدٍ
وعيناً له حولاء بادٍ عيوبها

فبعث إليه هشام وأخرجه.[36]

فخره بقومه عند سليمان بن عبد الملك

[عدل | عدل المصدر]

دخل الفرزدق على سليمان بن عبد الملك في خلافته في دمشق، وكان سليمان يبغضه لكثرة فخره بآبائه وأجداده، فتنكر له سليمان وقال من أنت وكأنه لا يعرفه، فقال الفرزدق: أما تعرفني يا أمير المؤمنين! أنا من قومٍ هم أوفى العرب، وأحلم العرب، وأسود العرب، وأجود العرب، وأشجع العرب، وأشعر العرب، فغضب سليمان وقال: والله لتحتجن لما ذكرت أو لأوجعن ظهرك، وأبعدن دارك، فقال الفرزدق: بلى، أما أوفى العرب فحاجب بن زرارة رهن قوسه عن العرب كلها ووفى، وأما أحلم العرب فالأحنف بن قيس يُضرب به المثل حِلماً، وأما أسود العرب فقيس بن عاصم سيد أهل الوبر، وأما أشجع العرب فالحريش بن هلال، وأما أجود العرب فخالد بن عتاب بن ورقاء، وأما أشعر العرب فها أنا عندك، فقال سليمان: فما جاء بك؟ لا شيء لك عندنا، فأرجع، وغمه ماسمع من عزه، ولم يستطع له رداً.[37]

وقد كان الفرزدق لا يُنشد بين يدي الخُلفاء إلا قاعداً،[38] على عكس بقية الشعراء، وذلك لشرفه، وكثرة قومه، فدخل مرةً على الخليفة سليمان بن عبد الملك، وأنشده شعراً يفخر فيه بأجداده وقومه:[39]

ما حملت ناقةُ من معشر رجلاً
مثلي إذا الريحُ لفتني على الكور
أكرم قوما وأوفى عند مضلعةٍ
لمُثقل من دماء القوم مبهور

فقال سليمان: هذا المدح لي أم لك؟ قال: لي ولك يا أمير المؤمنين! فغضب سليمان وقال: قم فأتمم ولاتنشد بعده إلا قائماً، فقال الفرزدق: لا والله أو يسقط إلى الأرض أكثري، فقال سليمان: ويلي على الأحمق وأرتفعت الأصوات، وسمع سليمان صوت ضوضاءٍ ببابه فقال: ما هذه الأصوات؟ فقيل له: إنهم بني تميم قوم الفرزدق على الباب ويقولون لا يُنشد الفرزدق قائماً وأيدينا على مقابض سيوفنا، فقال سليمان فلينشد قاعداً.[40]

مكانته

[عدل | عدل المصدر]
  • قال يونس بن حبيب: «لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث لغة العرب، ولولا شعره لذهب نصف أخبار الناس.»[41]
  • قال أبو عبيدة: «عاش الفرزدق تسعين سنة كان منها خمسة وسبعين سنةً يُباري الشعراء، ويهجو الأشراف فيضعهم، وماثبت له أحد قط إلا جرير.»[42]
  • قال أبو الفرج الأصفهاني: «الفرزدق مقدّم على الشعراء الإسلاميين هو وجرير والأخطل، ومحلُه في الشعر أكبر من أن يُنبّه عليه بقول، أو يدل على مكانه بوصف، لأن الخاص والعام يعرفانه بالإسم، ويعلمان تقدٌمه بالخبر الشائع.»[43]
  • قال الشاعر الحطيئة لما سمع شعر الفرزدق وهو غلام صغير: «هذا والله الشعر، فقيل له أتفضله على نفسك! فقال: بلى والله، أفضله على نفسي وعلى غيري، وقد أدركت من قبلك، وسبقت من بعدك، ثم قال الحطيئة للفرزدق: يا غلام لئن بقيت لتبرزن علينا.»[44]
  • قال الشاعر جرير: «الفرزدق نبعة الشعر.»[45]
  • قال مالك بن الشاعر الأخطل التغلبي: «الفرزدق ينحت من صخر، وجرير يغرف من بحر، فقال الأخطل الذي ينحت من صخر أشعرهما.»[46]

مؤلفات عن الفرزدق

[عدل | عدل المصدر]
الطبعة الفرنسية لديوان الفرزدق، تعود إلى عام 1870م. من مُقتنيات مكتبة الكونغرس.

اهتم العلماء المتقدمون في القرون الأولى بشعر الفرزدق وأخباره، كونه أحد أبرز شعراء العرب، وأكثرهم شعراً، وقد ألف علماء متقدمون مؤلفات كاملةً عن الفرزدق ومنهم:[47]

أسنَّ الفرزدق حتى قارب المائة،[38][48] فأصابته الدُّبَيْلَةُ وهو في البادية، ولم يلبث أن مات في سنة 110 هـ في خلافة هشام بن عبد الملك،[49] ودُفن في البصرة في مقابر بني تميم.[50]

انظر أيضًا

[عدل | عدل المصدر]

المراجع

[عدل | عدل المصدر]
فهرس الإحالات
  1. 1 2 الذهبي (2003)، ج. 3، ص. 325.
  2. ابن قتيبة (2002)، ج. 1، ص. 462-463.
  3. الأصفهاني (2002)، ج. 8، ص. 58.
  4. المرزباني (1982)، ص. 553.
  5. ابن سيد الناس (1993)، ج. 1، ص. 39.
  6. معمر ابن المثنى (1998)، ص. 360.
  7. [أ] محمد رضا (1990)، ص. 9-11.
    [ب] السمعاني (1998)، ج. 3، ص. 377.
    [جـ] ابن حبان (2000)، ج. 2، ص. 204.
  8. البلاذري (1996)، ج. 7، ص. 445.
  9. معمر ابن المثنى (1998)، ص. 193.
  10. الأصفهاني (2008)، ج. 11، ص. 400.
  11. ابن خلكان (1978)، ج. 6، ص. 99.
  12. الأصفهاني (2008)، ج. 21، ص. 208.
  13. [أ] الأصفهاني (2008)، ج. 21، ص. 194.
    [ب] الذهبي (1991)، ج. 1، ص. 167.
  14. [أ] الزركلي (2002)، ج. 8، ص. 93.
    [ب] العسقلاني (1971)، ج. 6، ص. 198.
  15. 1 2 خفاجي (1973)، ص. 177.
  16. علي فاعور (1987)، ص. 5.
  17. [أ] العسكري (1982)، ج. 2، ص. 421-422.
    [ب] ابن عساكر (1995)، ج. 74، ص. 50.
  18. الأصفهاني (2008)، ج. 11، ص. 287.
  19. ابن سعد (1990)، ج. 7، ص. 101.
  20. معمر ابن المثنى (1998)، ج. 2، ص. 53.
  21. البلاذري (1996)، ج. 3، ص. 65.
  22. 1 2 ابن قتيبة (2002)، ج. 1، ص. 473-476.
  23. علي فاعور (1987)، ص. 197.
  24. [أ] العباسي (1947)، ج. 1، ص. 104.
    [ب] النحوي (2001)، ج. 4، ص. 131-132.
  25. علي فاعور (1987)، ص. 144.
  26. محمد رضا (1990)، ص. 51.
  27. محمد رضا (1990)، ص. 89.
  28. علي فاعور (1987)، ص. 164.
  29. علي فاعور (1987)، ص. 54.
  30. علي فاعور (1987)، ص. 180.
  31. الذهبي (2003)، ج. 6، ص. 438.
  32. ابن عساكر (1995)، ج. 23، ص. 136.
  33. علي فاعور (1987)، ص. 511.
  34. الأصفهاني (2008)، ج. 11، ص. 378.
  35. علي فاعور (1987)، ص. 45.
  36. الأصفهاني (2008)، ج. 8، ص. 317.
  37. ابن عبد ربه (1983)، ج. 2، ص. 65-66.
  38. 1 2 الزركلي (2002)، ج. 8، ص. 93.
  39. علي فاعور (1987)، ص. 191.
  40. محمد جاد المولى (1932)، ج. 4، ص. 158.
  41. الصفدي (2000)، ج. 21، ص. 256.
  42. الأصفهاني (2008)، ج. 21، ص. 398.
  43. الأصفهاني (2008)، ج. 11، ص. 396.
  44. الحموي (1993)، ج. 6، ص. 2786.
  45. الجمحي، ج. 1، ص. 65.
  46. ابن عساكر (1995)، ج. 48، ص. 116.
  47. النديم (1978)، ص. 225.
  48. سبط ابن الجوزي (2013)، ج. 7، ص. 26.
  49. الحموي (1993)، ج. 6، ص. 2788.
  50. الأصفهاني (2008)، ج. 11، ص. 392.

ثبت المراجع (مُرتَّبة حسب تاريخ النشر)

[عدل | عدل المصدر]

وصلات خارجية

[عدل | عدل المصدر]